أحمد بن علي القلقشندي

50

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وعرفوا في الحروب بتسرّع الإقدام ، وثبات الأقدام ، وأدّخر اللَّه لأيّامه الشريفة أن تردّنها بهم ( 1 ) دار السلام إلى ملك الإسلام : فيدرّ عليهم ما شاء من إنعامه الذي يؤكَّد طاعتهم ، ويجدّد استطاعتهم ؛ ويضاعف أعدادهم ، ويجعل بصفاء النيّات ملائكة اللَّه أمدادهم ؛ ويحملهم على الثّبات إذا لقوا الذين كفروا زحفا ، ويجعلهم في التعاضد على اللَّقاء كالبنيان المرصوص فإنّ اللَّه يحبّ الَّذين يقاتلون في سبيله صفّا . وفي أمر الشرع وتولية قضاته وحكَّامه ، وإمضاء ما فرض اللَّه عليه وعلى الأمة من الوقوف عند حدوده وا ( 2 ) مع أحكامه ؛ فإنّه لواء اللَّه الممدود في أرضه ، وحبله المتين الذي لا نقض لإبرامه ولا إبرام لنقضه ، وسنن نبيّه الذي لا حظَّ عند اللَّه في الإسلام لغير متمسّك بسنّته وفرضه ؛ وهو - أعزّ اللَّه سلطانه - سيف اللَّه المشهور على الذين غدوا وهم من أحكام اللَّه مارقون ، ويده المبسوطة في إمضاء الحكم بما أنزل اللَّه : * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) * ( 3 ) . وفي مصالح الحرمين الشريفين وثالثهما الذي تشدّ أيضا إليه الرّحال . وإقامة سبيل الحجيج الذين يفدون على اللَّه بما منحهم ( 4 ) من برّه وعنايته في الإقامة والارتحال . وفي عمارة البيوت التي * ( أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه يُسَبِّحُ لَه فِيها بِالْغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ ) * ( 5 ) وفي إقامة الخطب على المنابر ، واقتران اسمه الشريف مع اسمه بين كلّ باد وحاضر ، والاقتصار على هذه التثنية في أقطار الأرض فإنّ القائل بالتثليث كافر ؛ وفي سائر ما تشمله الممالك الإسلامية ومن تشتمل عليه شرقا وغربا ، وبعدا وقربا ؛ وبرّا وبحرا ، وشاما ومصرا ؛ وحجازا ويمنا ، ومن يستقرّ بذلك إقامة وظعنا . وفوّض إليه ذلك جميعه وكلّ ما هو من لوازم خلافته للَّه في أرضه ، ما ذكر وما لم يذكر تفويضا لازما ، وإمضاء جازما ، وعهدا محكما ، وعقدا

--> ( 1 ) في مآثر الإنافة : « يردفها بهم » . ( 2 ) بياض في الأصل . وفي مآثر الإنافة : « والمشي » . ( 3 ) المائدة / 47 . ( 4 ) في مآثر الإنافة : « أصحبهم » وفي الأصل : « أوضحهم » واللفظ الذي اعتمدناه عن الطبعة الأميرية . ( 5 ) النور / 36 - 37 .